أبو حامد الغزالي
177
تهافت الفلاسفة
إن عنوا بالسبب الفاعل له ؛ وإن عنوا به وجها آخر ، - وهو أنه لا يستغنى عنه - فليكن كذلك ، ولا استحالة فيه ، إنما الاستحالة في تسلسل العلل ، فإذا انقطع ، فقد اندفعت الاستحالة ، وما عدا ذلك لم تعرف استحالته ، فلا بد من برهان على استحالته ، وكل براهينهم تحكمات ، مبناها على أخذ لفظ « واجب الوجود » بمعنى له لوازم ، وتسلّم « 1 » أن الدليل قد دلّ على « واجب وجود » بالنعت الذي وصفوه ، وليس كذلك كما سبق . وعلى الجملة ، دليلهم في هذا ، يرجع إلى دليل نفى الصفات ، ونفى الانقسام الجنسي والفصلى ، إلا أنه أغمض وأضعف ؛ لأن هذه الكثرة ، لا ترجع إلا إلى مجرد اللفظ ، وإلا فالعقل يتسع لتقدير ماهية واحدة موجودة ؛ وهم يقولون : كل ماهية موجودة فمتكثرة ، إذ فيه ماهية ووجود ، وهذا غاية الضلال ، فإن الموجود الواحد معقول بكل حال ، ولا موجود إلا وله حقيقة ، ووجود الحقيقة لا ينفى الوحدة . المسلك الثاني : هو أن نقول : وجود بلا ماهية ولا حقيقة ، غير معقول ، وكما لا نعقل عدما مرسلا ، إلا بالإضافة إلى موجود يقدّر عدمه ، فلا نعقل وجودا مرسلا ، إلا بالإضافة إلى حقيقة معينة ، لا سيما إذا تعيّن ذاتا واحدة ، فكيف يتعين واحدا متميزا عن غيره بالمعنى ، ولا حقيقة له ؟ ! ، فإن نفى الماهية نفى للحقيقة ، وإذا انتفت حقيقة الموجود ، لم يعقل الوجود ؛ فكأنهم قالوا : وجود ولا موجود ، وهو متناقض . ويدل عليه أنه لو كان هذا معقولا ، لجاز أن يكون في المعلولات وجود لا حقيقة له ، يشارك الأول في كونه وجودا لا حقيقة له ولا ماهية له . ويباينه في أن له علة ، والأول لا علة له ، فلم لا يتصور هذا في المعلولات ؟ ! ، وهل له سبب إلا أنه غير معقول في نفسه ؟ ! ، وما لا يعقل في نفسه ، فبأن تنفى علّته لا يصير معقولا ! وما يعقل ، فبأن تقدّر له علّة لا يخرج عن كونه معقولا .
--> ( 1 ) أي تدعى هذه التحكمات أن الدليل . . إلخ .